انشغل وزير الخارجية المصرية بدر عبد العاطي على نحو لافت خلال الأشهر الستة الماضية، بحسب ميريت مبروك، الزميلة البارزة في معهد الشرق الأوسط. وترى مبروك أن مصر، التي لم تكن طرفًا في الحرب مع إيران، وجدت نفسها أمام تداعيات مباشرة للصراع طالت اقتصادها وأمنها وتحالفاتها الإقليمية، ما دفع قيادتها إلى إعادة حساباتها والتكيف مع تحولات إقليمية متسارعة.

 

ويحلل معهد الشرق الأوسط في هذا المقال، المنشور في 28 سبتمبر 2026، تداعيات الحرب مع إيران على الحسابات المصرية، في إطار مجموعة من المقالات القصيرة التي أعدها زملاء المعهد لدراسة جوانب الحرب الدائرة وتأثيراتها غير المتوقعة. وتتناول مبروك التحولات التي طرأت على الاقتصاد المصري وأمن الطاقة وحماية البنية التحتية، إلى جانب إعادة تشكيل العلاقات والتحالفات الأمنية في المنطقة.

 

 

الاقتصاد تلقى الضربة الأولى من الحرب

 

لعبت مصر خلال السنوات الأخيرة دورًا مهمًا كوسيط إقليمي، رغم أن هذا الدور لا يحظى بالاهتمام الكافي في الصحافة الغربية، وكان وزير الخارجية بدر عبد العاطي أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية المصرية في هذه الجهود. ومع تصاعد الأزمات الإقليمية، كثّف عبد العاطي تحركاته الدبلوماسية، وكان من بينها مباحثاته في 19 أغسطس مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي بشأن التطورات الإقليمية.

 

وتصدرت حرية الملاحة وإعلان إيران وعُمان المرتقب بشأن إعادة فتح مضيق هرمز قائمة الملفات التي ناقشها الوزيران، في خطوة كان يمكن أن تفتح الطريق أمام استئناف محادثات أكثر إيجابية بين الولايات المتحدة وإيران.

 

وجاء ذلك بعد فترة وجيزة من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف عُمان إذا عرقلت التوصل إلى اتفاق مع إيران، ما جعل صياغة الإعلان الإيراني العُماني شديدة الحساسية. وشدد الوزيران على أن تداعيات الوضع الراهن لا تقتصر على دول المنطقة، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي.

 

لكن الحرب أثرت في مصر، رغم عدم مشاركتها فيها، على مستويات عدة. ومع ضربة الطائرات المسيّرة التي أشعلت النيران في سفينتين بميناء دمياط على البحر المتوسط في 29 يوليو، وجدت القاهرة نفسها في موقع المستهدف، إلى جانب دورها كوسيط إقليمي.

 

وترى مبروك أن الحرب غيرت حسابات مصر المستقبلية في ثلاثة مجالات رئيسية هي الاقتصاد والأمن والتحالفات الإقليمية. وبينما كانت هذه المجالات تشهد تحولات بالفعل، سرعت الحرب اتجاهاتها، ما دفع القيادة المصرية إلى تعديل سياساتها بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.

 

وقبل اندلاع الحرب بأيام، وتحديدًا في 25 فبراير، أنهى صندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج القرض المصري البالغ 8 مليارات دولار. وأبدى الصندوق قلقًا بشأن بطء وتيرة تخارج الدولة من الشركات المملوكة لها، وهي إحدى المطالب الرئيسية للصندوق على مدى سنوات.

 

وأشار الصندوق إلى أن جهود تقليص حضور الدولة، خصوصًا التقدم في برنامج التخارج، جاءت بوتيرة أبطأ من المتوقع، بينما واصل ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية الضغط على الحيز المالي والتأثير في آفاق النمو على المدى المتوسط.

 

وبحسب مبروك، حمل ذلك رسالة واضحة إلى الحكومة المصرية مفادها أن القاهرة لا تتحرك بالسرعة الكافية في تنفيذ المطلب الأساسي للصندوق، والمتمثل في تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد.

 

ورغم سياسة ملكية الدولة التي أُعلنت عام 2022، والتي حددت قطاعات تعتزم الدولة الانسحاب منها، ومنها الإنشاءات والضيافة والزراعة والثروة الحيوانية، أشار صندوق النقد إلى محدودية التقدم في ملف ملكية كيانات الدولة والمؤسسات العسكرية.

 

وتحظى هذه الكيانات، بحسب الصندوق، بمزايا تتعلق بالإعفاءات الضريبية والحصول على الأراضي وانخفاض تكاليف العمالة، وهي عوامل قد تحد، وفق رؤية الصندوق، من قدرة مصر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تحتاج إليها.

 

وفي المقابل، أقر صندوق النقد بتحسن مؤشرات اقتصادية مهمة، مشيرًا إلى مواصلة الحكومة تنفيذ سياسات تستهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. وساعد تشديد السياسات النقدية والمالية، إلى جانب مرونة سعر الصرف، على استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي وخفض التضخم وتعزيز الوضع الخارجي.

 

وانعكس ذلك على تحسن النمو وتراجع عجز الحساب الجاري، بينما واصل التضخم انخفاضه بصورة مطردة ليصل إلى 11.9% في يناير 2026.

 

لكن الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير وما تبعه من صدمات اقتصادية ألحق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد المصري، وكشف نقاط ضعفه الهيكلية التي تجعله شديد التأثر بالأزمات الناجمة عن الصراعات.

 

وارتفعت أسعار الطاقة بقوة عقب اندلاع الحرب، كما رفعت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية التابعة لوزارة البترول الأسعار بنسبة تراوحت بين 15% و22% في بداية مارس، مبررة القرار بـ«الظروف الاستثنائية»، رغم تعهد الحكومة بعدم رفع الأسعار لمدة عام عقب الزيادة السابقة في أكتوبر.

 

وتستخدم مصر اتفاقيات للتحوط من أسعار الوقود وآليات لإدارة المخاطر بهدف حماية موازنتها المثقلة بالأعباء من تقلبات الأسواق، وهي ترتيبات غير معتادة لدولة وليست شركة. وساعدت هذه الآليات على تخفيف الضغط عن الموازنة، لكنها لم تحمِ المستهلكين من تداعيات ارتفاع الأسعار.

 

وزاد الوضع تعقيدًا إغلاق إسرائيل حقل ليفياثان للغاز مع اندلاع الحرب، تحسبًا لهجوم إيراني، رغم أن إسرائيل توفر عادة ما بين 15% و20% من احتياجات مصر من الغاز الطبيعي.

 

ولم يقتصر التأثير على قطاع الوقود، إذ تعرضت الصادرات المصرية، التي تمثل قرابة 20% من الناتج المحلي الإجمالي، لضربة سريعة مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن. وأفادت إحاطة لوزارة المالية بانخفاض الصادرات، خصوصًا إلى السعودية والإمارات، بصورة حادة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وذلك بعد أقل من أسبوعين على اندلاع الحرب.

 

وتواجه مصر كذلك نقطة ضعف مزمنة تتمثل في تدفقات الأموال الساخنة. وتعاني القاهرة عجزًا مستمرًا في الموازنة، وتحاول بصورة متكررة معالجة هذا الوضع عبر أداة أخرى تتمثل في شراء المستثمرين غير المقيمين أذون الخزانة المصرية قصيرة الأجل.

 

وعادة ما تنسحب الأموال الساخنة من اقتصادات الأسواق الناشئة خلال فترات الاضطراب السياسي. وخلال الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في أوائل عام 2022، خرج نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر، ما ألحق ضررًا كبيرًا باحتياطياتها.

 

وقال وزير المالية المصري آنذاك، محمد معيط، إن الدرس الذي تعلمته مصر هو عدم الاعتماد على هذا النوع من الاستثمارات، لأنها تأتي بحثًا عن العوائد المرتفعة، لكنها تغادر البلاد فور وقوع صدمة اقتصادية.

 

وترى مبروك أن هذا الدرس لم ينعكس بصورة كافية على القرارات اللاحقة.

 

 

أزمة الطاقة تدفع القاهرة إلى خيارات جديدة

 

شكّلت هذه التطورات مصدر قلق بالغ لمصر، لكن مبروك ترى أن تعرض القاهرة لتداعيات حرب حاولت قدر الإمكان الابتعاد عنها دفعها هذه المرة إلى قدر جديد من المرونة والتخطيط الاستباقي.

 

وجاءت الطاقة على رأس الأولويات العاجلة. ومع محدودية قدرة القاهرة على التعامل مع شحنات الطاقة المتأخرة أو الملغاة، بدأت مصر العمل على بدائل.

 

واعتمدت مصر في أوقات سابقة على وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة، للتعامل مع أزمات الطاقة المحلية. وتدير القاهرة عدة سفن للاستيراد في مراكز رئيسية مثل دمياط والعين السخنة، بموجب اتفاقيات توريد تمتد لعدة سنوات.

 

ورغم استئناف إسرائيل إمدادات الغاز في أوائل أبريل، اشترت مصر خلال الشهر نفسه 40 شحنة من الغاز الطبيعي المسال للتسليم حتى يونيو، كإجراء تحوطي جزئي لمواجهة الطلب المتوقع خلال الصيف، عندما يرتفع الاستهلاك إلى متوسط يتراوح بين 15 و20 شحنة شهريًا.

 

وكان مقررًا أن يأتي جزء كبير من هذه الشحنات من الولايات المتحدة. وفي بداية أبريل، وافق مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد الأميركي على أكثر من ملياري دولار في صورة تأمين ائتماني للصادرات لدعم شحنات الغاز الطبيعي المسال الأميركية إلى مصر.

 

وترى مبروك أن هذا النوع من الترتيبات المالية مع الولايات المتحدة يمثل نموذجًا يمكن لمصر السعي إلى توسيعه، إذ يحقق أرباحًا للمصدرين الأميركيين، لكنه في الوقت نفسه يمول سلعة حيوية بدلًا من تقديم قرض. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تخصيص 64% من إنفاق القاهرة لخدمة الدين في مشروع الموازنة الجديدة.

 

وبالتوازي، تسرّع القاهرة عمليات التنقيب عن النفط، مع وجود تسع آبار جديدة في مراحل مختلفة من التطوير، خمس منها في حقول المياه العميقة بالبحر المتوسط، وأربع في خليج السويس ودلتا النيل.

 

كما تعتزم مصر شراء إنتاج حقل أفروديت للغاز في قبرص عند بدء تشغيله بعد ست سنوات، بينما قد يبدأ حقل كرونوس، الموجود أيضًا في قبرص وتطوره شركتا إيني وتوتال إنرجيز، الإنتاج خلال أقل من عامين.

 

وفي وقت سابق من العام، أعلنت شركة إيني اكتشاف احتياطيات من الغاز تقدر بنحو تريليوني قدم مكعبة في حقل تمساح المصري.

 

لكن الأهم من إدارة مخاطر إمدادات الوقود الأحفوري، وفق مبروك، هو تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.

 

وكانت مصر قد حددت هدفًا لإنتاج 42% من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مدفوعة بمشروعات ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من بينها مجمع بنبان للطاقة الشمسية بقدرة 1800 ميجاواط، واتفاقيات شراء طاقة متجددة بقدرة 10 جيجاواط مع مطورين من القطاع الخاص، إلى جانب مبادرات مختلفة لإنتاج الهيدروجين الأخضر.

 

وبحسب مصادر في القطاع، ساهم الصراع مع إيران في تسريع الجدول الزمني لهذا التحول، وهو ما قد يعزز موقع مصر كمنتج رئيسي للطاقة.

 

لكن هذا التخطيط المستقبلي يفترض توافر متطلبات أساسية، يأتي في مقدمتها تأمين البنية التحتية.

 

 

الحياد لا يضمن الأمن والتحالفات الإقليمية تتغير

 

في 29 يوليو، اندلع حريق على متن Energos Winter، وهي منشأة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال مملوكة ومدارة من جانب الولايات المتحدة، وكانت راسية في ميناء دمياط على البحر المتوسط.

 

وأفادت تقارير بأن الحريق نجم عن ضربة بطائرة مسيّرة، وانتقلت النيران إلى ناقلة GasLog Salem المملوكة لجهة يونانية. وسيطرت فرق الإطفاء سريعًا على الحريق دون وقوع ضحايا، واستأنفت المنشأة عملياتها بصورة طبيعية بعد ساعات قليلة.

 

وأكدت السلطات المصرية في اليوم التالي أن ضربة بطائرة مسيّرة تسببت في الحريق. ولم تعلن أي جهة رسميًا مسؤوليتها عن الهجوم، لكن مصدرين إيرانيين لم تكشف صحيفة «نيويورك تايمز» هويتهما قالا إن الهدف من الضربة كان إظهار قدرة طهران على تصعيد الهجمات وتعطيل حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة.

 

ونفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بصورة قاطعة أي ضلوع إيراني في الهجوم، وقال إن إيران كانت ستعلن مسؤوليتها عنه لو كانت تقف وراءه.

 

وبغض النظر عن الجهة المسؤولة، أظهر الهجوم أن مصر ليست بعيدة بما يكفي عن الصراع لتجنب مخاطره. كما سلط الضوء على هشاشة البنية التحتية للطاقة في منطقة البحر المتوسط بصورة عامة.

 

ورفعت مصر فورًا مستوى الإجراءات الأمنية حول الميناء، لكن تهديد حركة الملاحة والمنشآت الخاصة بتخزين الغاز الطبيعي المسال لا يزال قائمًا، خصوصًا مع تزايد أهمية مصر باعتبارها جزءًا رئيسيًا من ممر الطاقة الإقليمي.

 

ومع تزايد القيود على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ازدادت أهمية قناة السويس وخط أنابيب سوميد المصري الممتد لمسافة 320 كيلومترًا، ما يرفع في الوقت نفسه احتمالات الفوضى إذا قررت جهات مسلحة استهداف هذه المنشآت.

 

وفي تطور آخر، وقعت باكستان والسعودية وتركيا في 7 أغسطس اتفاقية مكة للدفاع المشترك، المعروفة باسم «ميثاق مكة». وينص الاتفاق على أن أي هجوم على أحد أعضائه يُعد هجومًا على جميع الأعضاء، في صيغة تذكر بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو».

 

لكن اللافت أن مصر لم تكن طرفًا في الاتفاق.

 

وترى مبروك أن تشكيل هذا الميثاق يحمل دلالات واسعة على مستقبل النظام الإقليمي، إذ يكشف عن تصدع في الترتيبات القائمة منذ فترة، وإن كان يتشكل بهدوء منذ بداية الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب عام 2017.

 

وتقول الكاتبة إن الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في فبراير 2026 سرّع ظهور هذا التصدع، خصوصًا بعدما ردت إيران بهجمات على دول خليجية مجاورة لها.

 

ومن منظور القاهرة، بدأت الولايات المتحدة حربًا مع إيران عارضها معظم حلفائها الإقليميين باستثناء إسرائيل، ولم تكن مستعدة للتداعيات التي أعقبت خروج الخطة عن مسارها، بينما أصبحت الدول الحليفة لواشنطن أهدافًا رئيسية للرد الإيراني. وترى مبروك أن هذه التطورات عززت لدى المصريين قناعة بأن الولايات المتحدة لم تعد الشريك الأمني الذي كانت عليه في السابق.

 

وأدى ذلك، بحسب الكاتبة، إلى بروز قناعة أخرى مفادها أن دول المنطقة قد تضطر إلى بناء منظومة أمنية خاصة بها.

 

ومع اختلاف أولويات الدول المعنية، بدأت تتبلور بصورة تدريجية تجمعات إقليمية ذات مصالح متقاربة؛ إذ ضمت إحدى المجموعات مصر وباكستان وقطر والسعودية وتركيا، بينما اقتربت الإمارات من إسرائيل، إلى جانب الهند وقبرص واليونان. ولا تصف مبروك هذه الترتيبات باعتبارها تحالفات صلبة، بل ترى أنها في الوقت الراهن تجمعات لدول تبدو ذات أولويات مشتركة.

 

وكانت المجموعة الأولى، باستثناء قطر، المعروفة لدى البعض باسم «R4» ولدى آخرين باسم «STEP»، قد نسقت على مدى أكثر من عام بشأن عدد من الملفات، من بينها غزة والقرن الأفريقي، ولا سيما السودان، خصوصًا منذ الهجوم الأميركي الإسرائيلي الأول على إيران عام 2025.

 

وشهد سبتمبر 2025 تطورات مهمة، إذ توسطت مصر في اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية أعاد عمليات التفتيش النووي، وبعد أسبوع وقعت باكستان والسعودية اتفاقية دفاع مشترك.

 

وترى مبروك أن الاتفاق السعودي الباكستاني ربما ارتبط أيضًا بالقصف الإسرائيلي للعاصمة القطرية الدوحة في الشهر نفسه، في ظل غياب حماية أو تدخل أميركي واضح، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالسلوك الإيراني.

 

وبحسب الكاتبة، بدأت مصر ترى بصورة متزايدة أن دول المنطقة عليها تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنها واستقرارها. وفي يناير التالي، أكد وزير الدولة الباكستاني للإنتاج الدفاعي محمد رضا حيات هراج وجود اتفاق ثلاثي مرتقب بين باكستان والسعودية وتركيا. وفي الشهر التالي، وقعت مصر وتركيا اتفاقًا دفاعيًا بقيمة 350 مليون دولار.

 

وتعكس هذه الاتفاقيات، وفق مبروك، رغبة القاهرة في إعادة بناء قدرات قواتها المسلحة بما يسمح لها بالدفاع عن المصالح المصرية في القرن الحادي والعشرين.

 

ورغم ضخامة الجيش المصري، ترى الكاتبة أنه تراجع خلال العقود الثلاثة الماضية، وأن حرب إيران كشفت الفجوة التي تفصل قدراته عن إسرائيل، بل وعن إيران أيضًا.

 

وفي ظل شرق أوسط أكثر عرضة للصراعات، ومع ما تصفه مبروك بتراجع قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في احتواء التهديدات العسكرية الإقليمية، تسعى مصر إلى استعادة مكانتها السابقة.

 

وباستثناء إسرائيل، تمتلك تركيا أوسع مجمع للصناعات العسكرية وأكثرها تقدمًا في المنطقة، كما أن الأسلحة التركية عادة ما تكون أقل تكلفة من نظيراتها الأميركية أو الأوروبية، مع قيود أقل مرتبطة بصفقاتها. ومن ثم، توفر المبيعات العسكرية التركية، وفق الكاتبة، طريقًا سريعًا لتعزيز القدرات العسكرية المصرية، إلى جانب إقامة رابط استراتيجي إضافي بين قوتين رئيسيتين في المنطقة.

 

وفي ضوء تنامي العلاقات بين مصر وأعضاء «ميثاق مكة»، أثار قرار القاهرة عدم الانضمام إليه تساؤلات عديدة. لكن مبروك ترى أن تفسير القرار لا ينبغي أن يكون مفاجئًا لمن يعرف نهج مصر في السياسة الخارجية.

 

وتتبنى مصر سياسة خارجية حذرة ومحافظة تقوم، رغم ثقلها العسكري، على الوساطة أكثر من القوة. وفي صورته الحالية، لا يتجاوز «ميثاق مكة» إعلانًا من صفحة واحدة، يفتقر إلى إجراءات واضحة لتنفيذ الالتزامات، وهيكل موحد للقيادة، وترتيبات لوجستية عسكرية محددة أو معايير واضحة للتدخل.

 

كما يظل الاتفاق غامضًا بشأن طبيعة التهديد الذي يستدعي التحرك، وماهية الرد المناسب عليه. وتبدو مصر أكثر ارتياحًا لاتفاقيات الدفاع الثنائية؛ ففي بداية الحرب مع إيران، أرسلت القاهرة أنظمة متقدمة للدفاع الجوي وأفرادًا عسكريين إلى السعودية والإمارات والكويت، إلى جانب نشر مقاتلات «رافال» في الإمارات.

 

وقد يُقرأ «ميثاق مكة» باعتباره أداة ردع في مواجهة عدوان إيراني أو إسرائيلي، لكن تحديد عدو مشترك قد يكون أكثر تعقيدًا، كما قد يؤدي الاتفاق إلى جر القاهرة إلى حرب لا ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية.

 

وتحذر مبروك من أن التداعيات الدبلوماسية المحتملة قد تكون شديدة الحساسية، إذ تخوض باكستان صراعًا مع الهند منذ نحو 80 عامًا، بينما تواجه تركيا خلافات مستمرة مع اليونان وقبرص. وهذه الدول الثلاث حليفة لمصر، التي تربطها أيضًا معاهدة مع إسرائيل وتسعى في الوقت نفسه إلى الوساطة بين إيران وأطراف أخرى.

 

ولا يعني ذلك أن القاهرة ترفض التحالفات الإقليمية بصورة كاملة، فقد كانت مصر من أوائل الدول التي انضمت إلى التحالف البحري متعدد الجنسيات بقيادة السعودية لتأمين البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. لكن البحر الأحمر يمثل مصلحة حيوية ومباشرة لمصر، كما أن نطاق المهمة وأهدافها واضحان.

 

وتخلص مبروك إلى أن القاهرة، المعروفة ببراجماتيتها، قد تنضم في نهاية المطاف إلى «ميثاق مكة» إذا جرى ضبط تفاصيله بصورة أكثر دقة. لكن الأهم من الاتفاق ذاته، بحسبها، هو الدافع وراء امتناع مصر عن الانضمام إليه.

 

وترى الكاتبة أن الموقف يعكس حتى الآن بصورة واضحة تنامي الشعور بأن الولايات المتحدة ستظل لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، لكنها لم تعد تمتلك القدرة أو الرغبة أو الموارد الكافية لبناء علاقات ذات مغزى والحفاظ عليها أو رعاية اتفاقيات السلام، وأن دول المنطقة ستضطر إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنها.

 

ويشير الميثاق، وفق مبروك، إلى ظهور إطار جديد للتشاور، وليس إلى توحيد كامل للمصالح والتحالفات. وتكمن أهمية المرونة بالنسبة لمصر في قدرتها على الوساطة عندما ترى أن ذلك يخدم مصالحها، أو اللجوء إلى قوتها العسكرية عندما تعتبر ذلك ضروريًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية.

 

وترى الكاتبة أن التحولات الجيوسياسية الكبيرة في المنطقة دفعت إليها بدرجة كبيرة التحركات الأميركية المتزايدة الاضطراب، بينما سرعت حرب إيران هذه التحولات.

 

وتضيف أن واشنطن لا ينبغي بالضرورة أن تنظر إلى الإطار الإقليمي الجديد باعتباره مصدرًا للريبة. فرغم أن الولايات المتحدة قد لا تمتلك الحافز أو الرغبة نفسها للتدخل المكثف في الشرق الأوسط، تظل المنطقة ذات أهمية حيوية بالنسبة إليها.

 

وتخلص مبروك إلى أن المنطقة لا تزال تواجه أزمات عديدة، لكن تحقيق قدر أكبر من الانسجام وخفض حدة التوتر يمثل، في رأيها، النتيجة الأكثر فائدة، وقد يكون من مصلحة واشنطن أن تتعامل مع التحولات الإقليمية بواقعية وأن تتكيف معها على هذا الأساس.

 

https://mei.edu/publication/egypt-how-the-iran-war-has-affected-egypts-calculations/